خرج مسرعا من المنزل ، كان مُقدم(1) الحي يرقب في مدخل الزقاق كل هابّة و دابة، حيّاه بابتسامته الصفراء المعهودة ، كان سعيد يرتاب من تلك الابتسامة ، و يعتبر رؤية المقدم نذير شؤم سيلقاه في يومه . كان يسرع الخطى ، إنه يرغب في حضور محاضرة الفلسفة منذ البداية ، لأنه يعشق الفلسفة ، بل يراوده من حين إلى آخر حلم أن يصير فيلسوفا بلحية كثة و شارب طويل .. أليست هي ملامح الفلاسفة و المجاذيب !؟. واصل سيره دون التفات،أمعاؤه تقرقر .. ليس فيها سوى جرعات من شاي أسود، في الجهة المقابلة ، شاب يعاكس فتاة متبرجة ،كأن كل مساحيق العالم قد صبت على وجهها ... ألم تفعل ذلك للإثارة ؟ يعاكسها و تتمنع ، فارتسم في رأسه سؤال الرغبة و الامتناع دون أن يجهد نفسه في الإجابة عنه.استفاق من غَـشية السؤال ، فوجد نفسه أمام الجامعة .. الباب مغلق و الباحة فارغة إلا من كلاب الحارس الليلي . آه .. ،لم يفطن إلاّ حينها ..
تجاوز! – قصة : حمادي بلخشين
جلس أمامي دون استئذان، كان حافي القدمين، أشعث اللّحية ...إنه أحد ضحايا التعذيب في بلدتنا الصغيرة... كان أستاذا جامعيا ... دخل السجن كأعقل ما يكون، ولكن خرج منه سليب العقل و الوظيفة... كان يلزم الصمت لأسابيع عديدة...أحيانا تراه يمشي عاريا وهو يردّد كلاما غير مفهوم... وأحيانا اخرى يتكلم كأحسن العقلاء... أخرج من جيبه عقب سيجارة... دون أن يكلف نفسه النظر الى ناحيتي، قال بجدّية من يلقي محاضرة:
ـــ لم يحكم الناس أشد منه شؤما ولا أثقل ظلاّ... في عهده الرهيب، اضطر الفلاح الفقير الي الهجرة الي إسرائيل... أجبر مدّرس الإبتدائي على طلي وجهه بالسواد ليستجدي المارة بعض القروش دون ان يتعرف عليه احد تلامذته أو معارفه... في عهده المشؤوم طلبت زوجة " طبيب قدّ الدنيا" الإنفصال عن زوجها...عللت طلبها بكراهيتها الجماع بين القبور، حيث اضطر بعلها الي السكنى هناك! في عهده المشؤوم، أصبح من الطبيعي ان يقال: اذا انهارت العمارة التي تسكنها، فستتحول حتما الي المقبرة، اما لتدفن في قبر، أو لتعيش بقية حياتك الي جوار قبر!.
صدمة – قصة : رقية سامي
في غرفة صغيرة تفرد جسدها على السرير لتنام.
تحاول تركيز تفكيرها على كلمات الأغنية التي تسمعها، فجأة تنفلت دمعة مالحة من مقلتيها، تمسحها بسرعة وتتبعها بابتسامة صغيرة، تحاول إقناع نفسها أن ما حصل كان لصالحها.
تطفئ المذياع في سرعة، ثم تأخذ الرسالة التي تسلمتها هذا الصباح من طرف سعيد البواب، تعرف أنها قرأت الرسالة أكثر من مرة، لكن رغم ذلك تعيد قراءتها على مهل وكأنها المرة الأولى.
تنطق بهذه الكلمات بصوت مرتفع، ناسية أنها ليست بمفردها في البيت(سامحيني واعذريني لكوني باحث عن طيف جديد، اعذريني فقد سئمت انتظارك، ما عدت قادرا على إلقاء درسي المعهود، ولا حتى أن أربي، ما عدت أقبل أن أكون مدرسا لتلميذة كسولة).
فان غوخ ثانية – قصة : محمد الفشتالي
جسم من تدويرات لاحد لها، يمتطي هرما مقلوبا، عيناه خطوط مرتعشة، يتنفس عاليا بأنف كبير أفطس ... أحجام خشبية حوله في تداخل . تحيط بها هامات، يعلوها لون ترابي متدرج القتامة من أسفل لأعلى. لن أتركه راقدا داعنا للون، سيخرج إلي متجها من اليسار إلى اليمين. وهذه النقطة الذهبية هي محل كتفه المائل ، لونها ناطق ... مشى قليلا إلى الخلف، وتفحصه من جديد، ثم اندفع يغزوه بالحرارة والضوء والإحساس. أية ملامح ستكسو وجها بارز العظام، فاقدا لطعم الحياة، لكن لا يزايله الانبهار في مدينة تلفها مساحات ترابية، وتتوغل في قلبها فوضى من إسمنت.
الإفريز خلفه والكراسي فارغة، وظلال لا تبارح مكانها. الوقت ليل إذن ! هل سيطل القمر؟ …لا …لا معنى لذلك … كفى لن يطل، الليلة حلكة تامة، ولا قمر. ضوء المصابيح شحيح ينذر بالتلاشي.
اكتملت ...؟ ... ليس بعد. قليلا من لمسات أخرى مرهفة، ومزيدا من ضباب هش على صفحة الليل، وليشح الضوء أكثر، ويخمد اللون قبسا عن قبس. أما الوجه النحيل فليعتل جسد الدوائر، والقامة لتبق حسب وقفة الرائي ... هكذا أفضل، مادامت التدويرات إيقاعها متراكب ... والتفاصيل ؟ ... بعد تلك التحزيزات والتحريفات، هناك كليب يبحلق فيه، وقطة بيضاء فاغرة الفاه، ظمأى ربما، وأوراق كابية اللون تلاعبها الريح هنا وهناك.
ليلة ليست كالليالي – قصة : امحمد برغوت
لم يعد يتذكر من أيامه الخوالي سوى أنه ترك منسيا ذات ليلة ليلاء بجانب "الكانون" ملقى فوق فرو معز مدثر بقماش أمه القديم، ترهل فأحالته غطاءها المفضل لكبدها، ليلة داهمت المنزل سرية من جنود فرنسيين مدججين بالسلاح يبحثون عن أبيه الذي كان عنصرا نشيطا في صفوف المقاومين لاحتلال الأجنبي، بمجرد ما أحست أمه الأرض تميد من حولها، هرعت تحشد أبناءها الأربعة وتدثرهم بما وقعت يدها عليه من ثياب بالية وهي تصيح فاطمة، أحمد، عائشة، محمد هلموا اخرجوا من البيت إنه مداهم من النصارى الذين دلهم الواشون على منزل أبيكم، هيا أسرعوا.
خرج الجميع يهرول دونما اهتداء والأم تصيح فيهم: من هنا متجهة بهم صوب الغابة القريبة من "الدوار" وكان على الجميع أن يتسلق طريقا وعر المسالك تحفة الأحجار من كل جانب، وبينما هم سائرون كقطيع غنم داهمته الذئاب، إذ عادت الأم للصياح من جديد وبصوت عال وهي تحصي فلذات أكبادها وتناديهم بأسمائهم الواحد تلو الآخر: لتكتشف متأخرة بأن ابنها الأصغر غير موجود بينهم، فانتابها ذعر شديد وهي تدور حول نفسها وكأنها لا تصدق ما حدث.
قائمة - قصة : حمادي بلخشين
حين أعلم ابراهيم عمران تونا أندرسن أن آخر أجل لرفع الحاوية بما فيها سيكون ظهيرة الغد، طلبت منه الأخيرة ( وكانت ساعتها في حالة سكر شديد) إحضار ورقة وقلم.. بعد ذلك أمرته بتدوين ما يلي:
ــ جهاز تلفزيون توشيبا بنيّ اللون.
ــ صوفا قماشية.
ــ طاولة أكل.
ــ أريكة جلدية سوداء.
ــ جهاز كمبيوتر قديم.
ـــ دراجة نسائية .
قصة بتفاصيل نجدية – نص : بدور عبدالله
تتجلى صورة الحقيقة واضحة حتى في وسط الأحلام ....
حبي لك ليس قصة تروى على لسان عجوز إجتمع حولها احفادها متلهفين لقصة (تايتنك قديمة ) تحمل عبق الماضي وصورة لمستقبل يحمل الكثير من الحب ….
حبي لك حقيقة متئصلة ثابتة لا تحتاج لدراسة حالة او مراجعة قوانين ومعادلات الحياة الفانية
أنت القدر المختبىء خلف كواليس حياتي تراقبني من بعد وتقرأ علّي اوراد الصباح والمساء لكي تحفظني على الاقل من عينك
المتلهفة على حفظ تفاصيل كل حركة اقوم بها .....
يالك من مجنون ... بدوي حائلي نجدي مثقف تؤمن بالحرية وتقيدني بحبك ... كيف لك هذة المقدرة العجيبة على إحتواء كل مشاعري الثائرة وقصصي المبعثرة ودموعي الصارخة صباحاً ومساء ..
هذا الصباح .. وكل صباح اتمنى لو ............
في غفلة من الزمن – نص : امحمد برغوت
كان هنا بالأمس القريب يداعبني، يلاعبني، يشاغب كي لا يفرض الصمت سلطته على فناء الدار، وفي زوايا الغرف الثلاثة.
بهي الطلعة حين يباغتني وهو يصيح : بابا.. بابا.. جئت من مدرستي "الحلوة" يفاجئني وأنا تائه بين السطور، التفت بغتة تحت تأثير صوته الرنان متسائلا: وأخوك أينه؟ !
يصافحني مقبلا بحرارة وابتسامته تعلو شفتيه: أخي هاها! أخي اليوم كان عريس الدرس لما فك لغزا عجزنا جميعا أن نجد له حلا. صفقوا له، صفق له الجميع...
غاب فجأة ليتركني ألوك الألم والسهو والتيه عبر ذاكرتي التي تخصصت في جمع كل ملامحه، واستجلاء كل قسماته التي نسيها في دواخلي وأعصابي وكل أماكني السرية. أحن إليك، لقد نسيت بين يديك الصغيرتين بصماتي، ونسيت بين شفتيك قبلاتي وأنا أحضنك كلما عدت من "حلو" مدرستك كل ظهيرة وعشية ونسيت ... ونسيت...
أراك من خلف المسافات وقد اشتد عودك، وسما فرعك الذي فاجأتني به بعد عودتك وأنا أراك تسلم الكرة في السلة بالطريقة الأمريكية الاستعراضية. كم من الوقت الذي انساب بسرعة بين هيئتك الصغيرة وأنت تحضن أخاك التوأم في أعياد ميلادكما بشقة عبد المومن وبين الآن وقد شط بك المزار لتحل بأرض الإفرنج مبعدا بمسافة ساعتين ونصف طيرانا.